محمد طاهر الكردي
249
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
ذلك يمكنك أن تحكم على مقدار بساطته صلى اللّه عليه وسلم في مسكنه - بحيث إنه ما كان يتعدى في أي حال من الأحوال الضروري لحياته وحياة أزواجه . وقد ورد عن عطاء الخراساني أنه قال : " أدركت حجر أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فحضرت كتاب الوليد يقرأ يأمر بإدخالها في المسجد فما رأيت يوما كان أكثر باكيا من ذلك اليوم ، فسمعت سعيد بن المسيب يقول : " واللّه لوددت أنهم تركوها على حالها ، ينشأ ناس من المدينة ويقدم قادم من الآفاق فترى ما اكتفى به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حياته ، ويكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والتفاخر بها " . ومع هذا فإنك إذا أنعمت النظر في هيئة المكان على بساطته ، وفكرت في وضعه الصحي ، وكيف كانت منافذه منقية للهواء ، وأبوابه داعية إلى السهولة في الدخول والخروج وخفة الحركة مع وفرة الزمن والسرعة إلى المقصد ، مما شرع فيه الآن في العمارات الكمالية ، عرفت ما كان عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من القناعة ، والزهد ، وحسن الذوق . ومن يتأمل في ذلك يرفيه خير درس للناس يتعلمون منه كمال وضع الأمور في مواضعها ، من غير زيادة عن الحاجة ولا نقص عن الضروري ، وهنالك يرى الغني في ماله فضلة يساعد بها الفقراء من عيال اللّه ، فتتبادل عاطفة الحنو والشفقة فيما بينهم ، وتثبت قدم المحبة في أفئدتهم ، فيصبح الكل بين محب ومحبوب ، وشاكر ومشكور ، وحامد ومحمود ، وهنالك تزول عوامل الحسد ، وتموت شياطين التنافر والبغضاء ، ويتحد الكل على العمل ، بل يعمل الكل للكل ، ويكون الناس على اختلاف طبائعهم وعوائدهم كأعضاء جسم واحد تعمل كلها لحياته ووجوده ، وإذا يكونون قد قاموا بالمأمورية التي وجدوا من أجلها ، وهي خدمة الإنسانية . إشراق الدنيا بولادته صلى اللّه عليه وسلم لا نريد هنا بسط الكلام على كيفية ولادة نبينا ( محمد ) صلى اللّه عليه وسلم ، فإن ذلك معروف في كتب التاريخ والسير ، ولكن نريد هنا ذكر شيء من ذلك بلون من الأدب الرفيع ، وذلك مما كتبه أديب مصر وكاتب العصر الأستاذ العظيم ( الدكتور طه حسين ) وزير المعارف الأسبق بمصر في زماننا ، كما جاء في الجزء الأول من كتابه الشهير ( على هامش السيرة ) فإنه حفظه اللّه تعالى بعد أن ذكر حزن عبد المطلب بن هاشم على موت ابنه ( عبد اللّه ) قال ما يأتي :